يرى فريق من علماء الاجتماع أن معنى المهنة يتحدد من خلال مجموعة الشروط، وعندما تنطبق كل أو أغلب هذه الشروط على نشاط معين يقوم به جماعة من الناس ينظر إلى هذا النشاط على أنه مهنة، من أهم تلك الشروط ما يلي :
(1) وجود كفاءات مهنية محددة ينبغي توافرها لدى أعضاء المهنة.
(2) وجود مؤسسات تعنى بالتأهيل المهني وإكساب الأعضاء الكفاءات المهنية المطلوبة.
(3) وجود دراسات وتدريبات بغرض النمو المهني في أثناء العمل.
(4) وجود أخلاقيات مهنية تقيد الانتساب لمهنة أو الخروج منها.
وإذا استعرضنا هذه الشروط الأربعة السابقة، نجد أنها جميعاً تنطبق على مهنة التعليم، كما أن هناك كليات أو معاهد متخصصة لإعداد المعلم، وهذه الكليات أو المعاهد معنية بالدرجة الأولى بتأهيل المعلم، وإكسابه الكفاءات التدريسية المطلوبة لمهنة التعليم.
ولا يخفى على القارئ الكريم أن هناك برامج للتدريب في أثناء الخدمة تعقد من آن لآخر لرفع كفاية المعلمين وإطلاعهم على كل جديد في الميدان، كما أن هناك بحوثاً ودراسات أكاديمية نظرية وميدانية تجرى لتطوير المهنة سواء في الجامعات ومركز البحوث ، أو في الوزارات والإدارات المعنية بهذه المهنة.
ويبقى الشرط الأخير لاعتبار التعليم مهنة ، وهو "أخلاق المهنة" التي تقيد سلوك العاملين فيها و انضمامهم أو انسحابهم منها، وعلاقتهم ببعضهم و بالآخرين من خارج المهنة ، وكلنا يعلم وجود مثل هذه الأخلاق الخاصة بمهنة التعليم ، وتأكيد السياسة التعليمية على هذه الأخلاق.
وتعمل النظم التعليمية جاهدة على وجود ميثاق أو وثيقة خاصة بهذا الأمر، وسوف نناقش هذه القضية تحديداً في نهاية هذا الفصل.
وهكذا يستقر الرأي على أن التعليم أو التدريس مهنة، فلا بد أن ذلك قد أتى بعد فهم كاف لماهية التعليم، فقد ظل الناس دهراً طويلاً يعتقدون أن التعليم هو نقل المعارف من الكبار إلى الصغار، وأن عمل المعلم يتضمن بالدرجة الأولى تنظيم المعارف وإيجاد الظروف المناسبة لنقلها من بين دفات الكتب إلى عقول المتعلمين .
ولعل فهم التعليم وفق هذا المنظور هو الذي شجع كثراً من الناس على الالتحاق بمهنة التعليم في ذلك الزمن الذي تبلورت فيه مهنة التعليم في صورتها الراهنة.
ولكن، ما الذي طرأ على مفهوم التعليم أو التدريس من تغير، وهل أصبحت مهنة التعليم تتطلب نشاطات أكثر من مجرد تنظيم المعارف ونقلها من المعلم الكبير إلى المتعلم الصغير.
إن المربين في الآونة الأخيرة يعرفون التعليم بأشكال متعددة، وربما كان من المناسب أن نذكر بعضاً هذه التعريفات لنفكر معاً، أي من هذه التعريفات يعد صالحاً ومناسباً لتعريف التعليم.
ومن أهم هذه التعريفات ما يلي:
التعليم نشاط يقوم به المعلم لتيسير التعلم لدى الطلاب.
التعليم هو إحداث تغيرات معرفية و مهارية ووجدانية لدى الطلاب .
التعليم نشاط مقصود من قبل المعلم لتغيير سلوك طلابه.
التعليم عملية تفاعل اجتماعي لتطوير معارف ومهارات وقيم واتجاهات الطلاب .
التعليم تفاعل معقد بين المعلم والمتعلمين لتحقيق الأهداف التربوية .
التعليم نظام يتكون من مدخلات وعمليات ومخرجات .
التعليم جهد مقصود لمساعدة الآخرين على التعلم .
التعليم هو تزويد الطلاب بالمعلومات أو المهارات.
إذا اخترت واحداً من هذه التعريفات ليكون تعريفك لعملية التعليم فقد تكون مصيباً بعض الشيء ، إلا أنك بهذا الاختيار تكون قد ابتعدت عن التوصل إلى المفهوم الصحيح والشامل لعلمية التعليم ، فالتعليم أو التدريس الحقيقي ربما كان كل هذه التعريفات ، بل وربما أكثر مما جاء فيها جميعاً.
وليس المهم في قضية ماهية التعليم أن نضع تعريفاً شاملاً جامعاً للتعليم ، لكن الأهم أن نفهم أن هذه العملية من الضخامة والاتساع بحيث ينبغي صرف النظر عن الصياغات والتعريفات إلى المهمات والعمليات ، التي تحقق بصورة إجرائية الأهداف التربوية ، وتحقق النمو الشامل المتكامل للمتعلم والمفهوم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع .
وطالما كان التعليم مهنة كما سبق أن أوضحنا فإن هناك مؤسسات تعنى بالبحث العلمي الخاص بتطوير هذه المهنة بكل جوانبها، وما من شك في أن هذا التطوير سيضيف يوماً بعد يوم أبعاداً جديدة لمفهوم التعليم ، فالتعليم عملية اجتماعية، أي تلتصق بالمجتمع ، وطالما ظلت المجتمعات متطورة ومتغيرة ظل التعليم ديناميكياً متغيراً .
ثمة أمر آخر يساعد على تطوير مفهوم التعليم لدى المعلم من آن لآخر , وهذا الأمر هو تطور المعلم ذاته , وزيادة خبراته من خلال ممارسته التدريسية اليومية , والمشكلات الميدانية التي يواجهها عاماً بعد عام , ولا شك أن هذه الخبرة تضيف لكل معلم أبعاداً جديدة توسع مفهوم التعليم لديه يوماً بعد يوم .
أخلاق مهنة التعليم :
سبق أن أشرنا إلى أن أي مهنة لابد لها أخلاقيات تنظم السلوك العام لأعضاء المهنة بعضهم مع بعض, ومع غيرهم من المعلمين في مجالات المهن الأخرى ، وكما أن هناك أخلاقيات لمهنة الصيدلة ، وثالثة لمهنة القضاء... الخ، فهناك أيضاً أخلاقيات خاصة لمهنة التعليم .
وقد صدر في عام 1405هـ إعلان مكتب التربية العربي لدول الخليج لأخلاق مهنة التعليم ويتكون هذا الإعلان من عشرين بنداً هي كما يلي :
أولاً : التعليم مهنة ذات قداسة خاصة توجب على القائمين بها أداء حق الانتماء إليها إخلاصاً في العمل، وصدقاً مع النفس والناس ، وعطاءً مستمراً لنشر العلم والخير والقضاء على الجهل والشر.
ثانياً : المعلم صاحب رسالة يستشعر عظمتها، ويؤمن بأهميتها، ولا يضن على أدائها بغال ولا رخيص، ويستصغر كل عقبة دون بلوغ غايته من أداء رسالته.
ثالثاً : اعتزاز المعلم بمهنته وتصوره المستمر لرسالته ، ينأيان به عن مواطن الشبهات ، ويدعوانه إلى الحرص على نقاء السيرة وطهارة السريرة ، حفاظاً على شرف مهنة التعليم ودفاعاً عنه .
المعلم وطلابه :
رابعاً : العلاقة بين المعلم وطلابه صورة من علاقة الأب بأبنائه ، لحمتها الرغبة في نفعهم، وسداها الشفقة عليهم
الحانية ، وحارسها الحزم الضروري، وهدفها تحقيق خيري الدنيا و الآخرة للجيل المأمول للنهضة والتقدم.
خامساً : المعلم قدوة لطلابه خاصة، وللمجتمع عامة ، وهو حريص على أن يكون أثره في الناس حميداً باقياً، لذلك فهو مستمسك بالقيم الأخلاقية ، والمثل العليا، يدعو إليها ويبثها بين طلابه والناس كافة، ويعمل على شيوعها واحترامها ما استطاع .
سادساً : المعلم أحرص الناس على نفع طلابه ، يبذل جهده كله في تعليمهم ، وتربيتهم، وتوجيههم، يدلهم بكل طريق على الخير ويرغبهم فيه، ويبين لهم الشر ويذودهم عنه ، في إدراك كامل ومتجدد أن أعظم الخير ما أمر الله أو رسوله به ، وان أسوأ الشر هو ما نهى الله أو رسوله عنه .
سابعاً : المعلم يسوى بين طلابه في عطائه و رقابته وتقويمه لأدائهم ، ويحول بينهم وبين الوقوع في براثن الرغبات الطائشة ، ويشعرهم دائماً أن أسهل الطريق وإن بدا صعباً هو أصحها وأقومها، وأن الغش خيانة وجريمة لا يليقان بطالب العلم ولا بالمواطن الصالح .
ثامناً : المعلم ساع دائماً إلى ترسيخ مواطن الاتفاق والتعاون والتكامل بين طلابه ، تعليماً لهم ، وتعويداً على العمل الجماعي والجهد المتناسق ، وهو ساع دائماً إلى إضعاف نقاط الخلاف ، وتجنب الخوض فيها، ومحاولة القضاء على أسبابها دون إثارة نتائجها .
المعلم والمجتمع :
تاسعا : المعلم موضع تقدير المجتمع واحترامه وثقته وهو لذلك حريص على أن يكون في مستوى هذه الثقة وذلك التقدير والاحترام، يعمل في المجتمع على أن يكون له دائماً في مجال معرفته وخبرته دور المرشد والموجه يمتنع عن كل ما يمكن أن يؤخذ عليه من قول أو فعل ويحرص على أن لا يؤثر عنه إلا ما يؤكد ثقة المجتمع به واحترامه له.
عاشراً : تسعى الجهات المختصة إلى توفير اكبر قدر ممكن من الرعاية للعاملين في مهنة التعليم بما يوفر لهم حياة كريمة تكفهم عن التماس وسائل لا تتفق وما ورد في هذا الإعلان لزيادة دخولهم أو تحسين ماديات حياتهم.
حادي عشر : المعلم صاحب رأي وموقف من قضايا المجتمع ومشكلاته بأنواعها كافة ويفرض ذلك عليه توسيع نطاق ثقافته وتنويع مصادرها والمتابعة الدائمة للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ليكون قادراً على تكوين رأي ناضج مبني على العلم والمعرفة والخبرة الواسعة يعزز مكانته الاجتماعية ويؤكد دوره الرائد في المدرسة وخارجها.
ثاني عشر :تتميز هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو لا يدع فرصة لذلك دون أن يفيد منها أداءً لهذه الفريضة الدينية وتقوية لأواصر المودة بينه وبين جماعات الطلاب خاصة والناس عامة وهو ملتزم في ذاك بأسلوب اللين في غير ضعف ، والشدة في غير عنف ، يحدوه إليهما وده لمجتمعه ، وحرصه عليه وإيمانه بدوره البناء في تطويره وتحقيق نهضته .
المعلم رقيب نفسه :
ثالث عشر : المعلم يدرك أن الرقيب على سلوكه بعد الله هو ضمير يقظ ونفس لوامة وأن الرقابة الخارجية مهما تنوعت أساليبها لا ترقى إلى الرقابة الذاتية لذلك يسعى المعلم بكل وسيلة متاحة إلى بث هذه الروح بين طلابه ومجتمعه ويضرب بالاستمساك بها في نفسه المثل والقدوة.
رابع عشر : المعلم في مجال تخصصه طالب علم وباحث عن الحقيقة لا يدخر وسعاً في التزود من المعرفة والإحاطة بتطورها في حقل تخصصه تقوية لإمكاناته المهنية موضوعاً وأسلوباً ووسيلة.
خامس عشر : يسهم المعلم في كل نشاط يحسنه ويتخذ من كل موقف سبيلاً إلى تربية قويمة أو تعليم عادة حميدة إيمانا بضرورة تكامل البناء العلمي والعقلي والجسماني والعاطفي للإنسان من خلال العلمية التربوية التي يؤديها المعلم .
سادس عشر : مدرك أن تعلمه عبادة وتعليمه الناس زكاة فهو يؤدي واجبه بروح العابد الخاشع الذي لا يرجو سوى مرضاة الله سبحانه وبإخلاص الموقن أن عين الله ترعاه وتكلؤه وإن قوله وفعله كله شهيد له أو عليه .
المدرسة والبيت :
سابع عشر: الثقة المتبادلة واحترام التخصص والإخوة المهنية هي أسس العلاقات بين المعلم وزملائه وبين المعلمين جميعاً والإدارة المدرسية المركزية ويسعى المعلمون إلى التفاهم في ظل هذه الأسس فيما بينهم وفيما بينهم وبين الإدارة المدرسية والمركزية حول أو تنسيق للجهود بين مدرسي المواد المختلفة أو قرارات إدارية لا يملك المعلمون اتخاذها بمفردهم .
ثامن عشر: المعلم شريك الوالدين في التربية والتنشئة والتقويم والتعليم لذلك فهو حريص على توطيد أواصر الثقة بين البيت والمدرسة وإنشائها إذا لم يجدها قائمة وهو يتشاور كلما اقتضى الأمر مع الوالدين حول كل أمر يهم مستقبل الطلاب أو يؤثر في مسيرتهم العملية.
تاسع عشر : يؤدي العاملون في مهنة التعليم وواجباتهم كافة ويصبغون سلوكهم كله بروح المبادئ التي تضمنها هذا الإعلان ويعملون على نشرها وترسيخها وتأصيلها والالتزام بها زملائي وفي المجتمع بوجه عام.
عشرون :صدر هذا الإعلان عن مكتب التربية العربي لدول الخليج العربية واقره مؤتمره العام الثامن الذي انعقد في الدوحة .